محمد سعيد رمضان البوطي
285
فقه السيرة ( البوطي )
غزوة مؤتة وقد كانت في شهر جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة ، ومؤتة قرية على مشارف الشام ، وهي التي تسمى اليوم : الكرك . وسببها ما ذكرناه من مقتل الحارث بن عمير الأزدي ، رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى ملك بصرى ، ولم يقتل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رسول غيره ، فندب الناس للخروج إلى الشام ، وسرعان ما اجتمع من المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل قد تهيأوا للخروج إلى مؤتة . ولم يخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم معهم ، وبذلك تعلم أنها في الحقيقة ليست بغزوة وإنما هي سرية ، ولكنّ عامة علماء السيرة أطلقوا عليها اسم الغزوة لكثرة عدد المسلمين فيها ولما كان لها من أهمية بالغة ، وقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أمير الناس زيد بن حارثة ، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب ، فإن قتل فعبد اللّه بن رواحة ، فإن قتل فليرتض المسلمون منهم رجلا فليجعلوه عليهم » « 1 » . وأوصاهم صلى اللّه عليه وسلم أن يدعوا من هناك إلى الإسلام ، فإن أجابوا ، وإلا استعانوا عليهم باللّه وقاتلوهم . قال ابن إسحاق : ودع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه المسلمين وأمراءهم عند خروجهم من المدينة ، وفي تلك الأثناء بكى عبد اللّه بن رواحة ، فقالوا له ما يبكيك ؟ قال : أما واللّه ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ آية من كتاب اللّه تعالى يذكر فيها النار : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) [ مريم : 71 ] فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود . وناداهم المسلمون وهم يسيرون : صحبكم اللّه ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين ، فقال عبد اللّه بن رواحة : لكنني أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات قرع تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حرّان مجهزة * بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
--> ( 1 ) رواه البخاري ، وأحمد ، وابن سعد في طبقاته ، ولكن ليس في البخاري : فإن قتل فليرتض المسلمون منهم رجلا .